مجد الدين ابن الأثير
54
المختار من مناقب الأخيار
فارس وخراسان ، فحملناه معنا ، واكتسينا منه ، فلما قدمنا على عمر أعرض عنّا بوجهه وجعل لا يكلّمنا ، فاشتدّ ذلك على أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فأتينا ابنه عبد اللّه وهو جالس في المسجد فشكونا إليه ما نزل بنا من جفاء « 1 » عمر أمير المؤمنين ، فقال : إنّ أمير المؤمنين رأى عليكم لباسا لم ير رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يلبسه ولا الخليفة من بعده أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه . فأتينا منازلنا فنزعنا ما كان علينا وأتيناه في البزّة التي كان يعهدنا فيها ، فقام فسلّم علينا ، على رجل رجل ، ويعانق منّا رجلا رجلا ، كأنّه لم يرنا قبل ذلك ، فقدّمنا إليه الغنائم فقسمها بيننا بالسويّة ، فعرض عليه في الغنائم سلال من أنواع الخبيص ، من أصفر وأحمر ، فذاقه عمر فوجده طيّب الطعم طيب الرّيح ، فأقبل علينا بوجهه وقال : واللّه يا معشر المهاجرين والأنصار ليقتلنّ الابن منكم أباه ، والأخ أخاه على هذا الطعام . ثم أمر به فحمل إلى أولاد من قتل « 2 » بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من المهاجرين والأنصار ، ثم إنّ عمر قام منصرفا ، فمشى وراءه أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في أثره ، فقالوا : ألا ترون يا معشر المهاجرين والأنصار إلى زهد هذا الرجل وإلى حليته ، لقد تقاصرت « 1 » إلينا أنفسنا [ مذ ] فتح اللّه عليه ديار كسرى وقيصر وطرفي المشرق والمغرب ، ووفود العرب والعجم يأتونه ، فيرون عليه هذه الجبّة قد رقعها اثنتي عشرة رقعة ، فلو سألتموه « 3 » معاشر أصحاب محمد وأنتم الكبراء من أهل المواقف والمشاهد مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، والسابقين من المهاجرين والأنصار أن يغيّر هذه الجبة بثوب ليّن ، يهاب فيه منظره ، ويغدى عليه بجفنة من الطعام ، ويراح عليه بجفنة من الطعام ، يأكله ومن حضره من المهاجرين والأنصار . فقال القوم بأجمعهم : ليس لهذا القول إلّا عليّ بن أبي طالب ، فإنه أجرأ الناس عليه ، وصهره على ابنته ، أو ابنته
--> ( 1 ) سقطت اللفظة من ( أ ) . ( 2 ) في ( ل ) : « قتلوا » . ( 3 ) في ( ل ) والكنز : « سألتم » .